تاريخ الموسيقى
من موسوعة الموسيقى
إن هذه الفقرة هي ثمرة حيرة طالما رافقتنا في قراءاتنا لمختلف المصادر والمراجع المهتمّة بتاريخ الموسيقى العربية. وهذه الحيرة سببها تساؤلنا الدائم عن غياب كتب تهتمّ-ونحن في عصر الحداثة- بالبحث في مناهج التّأريخ المختلفة التي يمكن كشفها من خلال مختلف المصادر والمراجع قديما وحديثا. إذ أنّ جلّ مؤلفات القرون العربية الإسلامية الأولى تقدّم لنا -إلى جانب فحواها الموسيقي- مشهدا عن ملامح الفكر الموسيقي ذاته، يغيب عن كتب تاريخ الموسيقى الحديثة التطرّق إليها، هذه التي تكتفي أكثرها بذكر الأحداث السياسية وما يرتبط بها مباشرة من أوضاع الممارسة الموسيقية، أو في أحسن الحالات تعطي لمحة عن بعض الشخصيات الموسيقية التاريخية، فلا تساهم في رأينا إلاّ في وصف الواقع ولا تنفذ إلى عمقه: ألسنا في حاجة إذا إلى التنقيب في ما يدور حول هذا الواقع من ملابسات مختلفة، وتجاوز الملامسة الخارجية فحسب؟
لقد قدّم الفيلسوف التونسي "فتحي التريكي" كتابا هامّا حول مناهج الفكر التّأريخي العام لدى العرب والمسلمين، وهو بعنوان L’esprit historien، وقد تخمّرت فكرة هذا الكتاب في ذهننا لتطبيقها-لم لا- في المجال الموسيقي: تساءلنا في البداية عن شرعيّة التفكير في هذه الخطوة ومدى مساهمتها في الإفادة والإضافة العلميّة، فوجدنا أنّه من الضروري لطالب مختصّ في علوم الموسيقى المختلفة أن يلمّ بالمشهد العام لتاريخ الفكر الموسيقي حتّى لا يبقى حبيس بعض الأحداث التي توجّه تاريخ الموسيقى العربية، فتجده جاهلا لعديد المؤلفات العلمية في الموسيقى العربية وبالتالي غير عارف بمحتوياتها، ويكتفي في المقابل بالخوض في المجال العملي الذي يقول عنه مؤرّخ القرن الثاني عشر الميلادي "الحسن الكاتب" أنّه الأكثر تفلّتا وتمويها.
من جهة أخرى-وكما أشرنا-تغيب عن المكتبة العربية الحديثة البحوث المهتمة بمناهج التّأريخ للموسيقى العربية على مرّ العصور. لذلك رأينا أن يكون هذا البحث بمثابة دليل يمكن من خلاله الإهتداء إلى دراسة تاريخ الموسيقى العربية من حيث هو تاريخ للفكر وليس تاريخ الأحداث والشخصيّات. وهو بحث يطمح لأن يكون نواةً أولى لإعادة كتابة تاريخ الموسيقى العربية عموما، وتاريخ الموسيقات المحلّيّة لكلّ منطقة عربية بصفة أخصّ، وذلك بتظافر مجهودات خليّة من الباحثين تعمل على تحقيق أهداف مشتركة قوامها البحث العلمي الموضوعي والدقيق. ربما يمكن تقسيم تاريخ الموسيقى العربية إلى فترات تاريخية إنطلاقا من القرن التاسع الميلادي وصولا إلى القرن العشرين، باعتبار أنّ القرن التاسع هو القرن الذي بدأت تكتمل فيه صورة المجال الجغرافي العربي الإسلامي الذي إتّسع في تلك الفترة لبلاد فارس شرقا والأندلس وإفريقية والمغرب غربا، وبالتالي بداية الإشعاع الثقافي والفكري العربي والإسلامي اللذين تجسّدا في إنتاج ضخم من الإبداع الفكري في العلوم والفنون والآداب والفلسفة إرتبط إرتباطا وثيقا بالعقيدة الإسلاميّة، وبقيت آثاره إلى اليوم متجسّدة في المؤلفات المكتوبة والمتاحف الأثريّة. يقول الباحث محمّد عمارة في هذا السياق: "إذا كانت الحضارة هي جِماع إبداع الامّة في عالمَيْ "الفكر" و"الأشياء"، أي في "الثقافة" التي تهذّب الإنسان وترتقي به، وفي "التمدّن" الذي يجسّد ثمرات الفكر في التطبيق والتقنية، أشياءَ يستمتع بها الإنسان المتحضّر. إذا كانت هذه هي "الحضارة"، فإنّها كإبداع بشري في المنظور الإسلامي وفي التجربة الإسلاميّة وثيقة الصلة بدين الإسلام، كوضع إلاهـي نزل به الوحـي على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلّم".
وكلّ هذه المؤلفات هي في الحقيقة شاهد على تطوّرات ملامح المشهد الفكري عبر التاريخ. ونحن إذ نهتمّ بالجانب الموسيقي من حيث هو مجال للفكر والتعقّل ومن حيث هو ممارسة كذلك، فإنّ بـَحْـثَنـا في الجانب التّأريخي فيه قد لا تنحصر الإفادة منه في الجانب الموسيقي فقط، بل قد تكون منطلقا لدراسات أنتروبولوجية وسوسيولوجية جادّة. وفي مقال له بعنوان "منهاجيّات التحليل وإشكاليّة الدّلالة والمعنى في الخطاب الموسيقي العربي" يشير الباحث "محمّد قوجة" في هذا الإطار إلى: جديّة التفكير في مدخلٍ لدراسة الظاهرة الموسيقية إنطلاقا من تداخل علم الإجتماع وبقيّة العلوم، هذا المدخل الذي يؤدّي إلى طرح مقاربتين على الأقلّ، هُما:
- دراسة الممارسة الموسيقية إنطلاقا من دراسة المجتمعات و- دراسة المجتمعات إنطلاقا من دراسة الظاهرة الموسيقية" وقد يسفر كلامنا هذا عن مجموعة من الإستنتاجات يمكن اختصارها في النقاط التالية حسب الفترات الزمنية واختلاف المقاربات: 1- إنّ الفترة المنحصرة بين القرن التاسع والثالث عشر الميلادي هي فترة التّأريخ القائم على أسلوب الكتابة العلميّة في مختلف مجالات المعرفة، بحيث لا يقوم التّأريخ للطبّ أو الفلك أو الموسيقى على ضبط خطٍّ كرونولوجيٍّ لتطوّر أحد هذه العلوم بل على ذكر التقنيات وتفاصيل العلم في حدّ ذاته: كأن نتحدّث عند الكندي أو الفارابي أو ابن زيلة أو صفي الدين الأرموي عن الدساتين والأبعاد والنسب الرياضية. وانطلاقا من هذه الحقائق العلمية يمكن لنا صياغة مشهد عن الفكر التّأريخي في تلك القرون. ولكن من جهة أخرى، نعثر في هذه الفترة على كتاب هامّ هو "كمال أدب الغناء" لصاحبه المؤرّخ الحسن الكاتب من القرن الثاني عشر الميلادي، هذا الذي عرّج على مسائل هامّة في الموسيقى العربية لم يكن قوامها التنظير فحسب بل ركّز على قضايا ذات أهمّيّة لم يتطرّق لها الكندي والفارابي وابن سينا ولا حتّى صفي الدين الأُرموي من بعده، ومن هذه القضايا نذكر: ما يجب أن يتحلّى به المغنّي من خصال/دور المغنّي أمام جليسه /معاني الألحان/ترتيب الغناء. وفي ذلك دليل على أنّ الفكر الموسيقي في القرن الثاني عشر شهِد بفضل "الحسن الكاتب" اهتماما بمسائل نظريّة علميّة تجاوزت القضايا النظاميّة التقليديّة (الأبعاد/الدساتين/الجموع/الإيقاعات.إلخ)، وهي لا تقلّ أهمّيّة عنها بل لعلّها من مكمّلات النّظري ذاته. فرغم أنّ "الحسن الكاتب" أقرّ في أوّل كتابه أنّه يخيّر العلمي على العملي في الموسيقى، إلاّ أنّه ساهم- بمادّة علميّة طريفة- في دفع الموسيقى العربيّة إلى مبحث يهتمّ بالمستوى الدّلالي، وذلك بوضع الحدث الموسيقي في إطاره. 2- مثّل التّأريخ الخلدوني للموسيقى عموما والموسيقى العربيّة خصوصا منعرجا هامّا في الكتابة التّاريخيّة التي تعوّدنا عليها عند أصحاب كتب الأخبار والأحداث بما فيها العقد الفريد لابن عبد ربّه ومروج الذّهب للمسعودي إذ أنّه رغم احتواء مراجع هؤلاء على معلومات هامّة حول الموسيقى العربيّة، فهم لم يبوّبوها ضمن منهج فكري محدّد يبني لخطّة تأريخيّة معيّنة، على عكس ابن خلدون الذي سعى جاهدا لبناء تأريخ يخصّ بعض الصّناعات ومن بينها الموسيقى، يندرج ضمن نظريّة معيّنة هي نظريّة العمران البشري-بقطع النظر عن مدى نجاحه في تحقيق ذلك: إذ يقول المؤرّخ التونسي "عثمان الكعاك": "صمت المؤرّخون عن التاريخ الإجتماعي والإقتصادي والفني واعتنوا بوجه عامّ بأخبار الحروب وشؤون القصور حتّى جاء ابن خَلدون فوضع علم التاريخ الحقيقي لكنّه لم يطبّق نظريّاته في القسم التاريخي البحت من كتابه" ورغم محاولة ابن خلدون في أن يكون كتابه شاملا لمقوّمات الموضوعية والعمق والتجرّد ممّا يمكن أن يشوبه من تأثيرات فكريّة مختلفة، فإنّ الفقه الإسلامي بمواقفه المتردّدة والمعادية للممارسة الموسيقية في أشكالها المتنوّعة كان يوجّه حديثه وتأريخه للموسيقى العربية عموما، خاصّة وأنّ فترة القرن الخامس عشر بدأت تشهد تفتّت الدولة الحفصيّة وبدأت فيه القوى الأوروبية تتهافت على دولة الإسلام كافّة. 3- نرى أنّه منذ القرن السادس عشر الميلادي تغيّرت وجهة تدوين المعرفة الموسيقية نحو الإهتمام بالمسائل المقامية من خلال مجموعة من الرسائل والأُرْجُوزات التي كانت أقلّ أهمّيّة من الناحية التنظيرية بل كانت تعمل على تركيز المصطلح المقامي وتثبيته نظرا لما شهده العالم العربي في ذلك القرن وما بعده من تحوّلات إجتماعية نتيجة الهجرات المتواصلة والتلاقح بين العرب من المشرق والمغرب والترك والأندلسيين أثرت على الثقافة العربية في مستوى المصطلح عموما. 4- يتوضّح أنّه منذ القرن التاسع عشر الميلادي أصبح التّأريخ للموسيقى العربية محكوما بمفاهيم الحداثة وفكر النهضة القائم على الوعي بضرورة إتباع النموذج الغربي. فلاحظنا وجود مجموعة من المستشرقين عملوا على كتابة تاريخ الموسيقى العربية خدمة لمصالح ذاتيّة، ولكنّ مجهوداتهم أسفرت عن بحوث هامّة، بقطع النظر عن درجة موضوعيّتها فهي كشفت عن عديد المخطوطات والكتب التي لم يهتمّ بها البحث العلمي العربي إلاّ في وقت متأخّر من القرن العشرين. ومن أبرز الذين بحثوا في تاريخ الموسيقى العربية والتونسية من المستشرقين نذكر "هنري جورج فارمر" والبارون "رودولف ديرلانجي" والبارون "كرّادي فو" والإسباني "فيدريكو كورنثي كوردبا". هؤلاء الذين عملوا على قراءة تاريخ الموسيقى العربية إنطلاقا من التحليل والتنقيب والملاحظة والعمل الميداني، فكانت أعمالهم أرضيّة ملائمة لبعض الباحثين العرب في المشرق والمغرب من القرن العشرين لتنقيحها أو تصحيحها -إن كانت تعتريها الأخطاء- أو إثباتها أحيانا. ومن بين هؤلاء الباحثين في تونس نذكر: عثمان الكعّاك وحسن حسني عبد الوهاب ومحمّد الحبيب وصالح المهدي ومحمود قطاط، الذين كانت مقارباتهم التّأريخيّة تندرج في هذا البحث تحت عنوان التنوّع في الطّرح التّأريخي، وهي ممزوجة بنفس فكري حديث متقطّع بين الحثّ على المحافظة على الأصالة والنّداء الملحّ للمعاصرة. وبين هذه وتلك بقي مجال التّأريخ يتيما في ميدان الكتابة والتدوين وأصبح الحديث عن الممارسة الموسيقية غالبا على البحوث العلميّة التي نجدها تتجرّد شيئا فشيئا من كلّ مقاربة تأريخيّة للفكر الموسيقي عبر التاريخ، حتّى أنّ كلّ بحث أثنوموزيكولوجي تقريبا نجده يتعرّض لصعوبات جمّة عندما ينوي البحث في تاريخ الممارسة الموسيقية أو أحد مظاهرها لأنّه غير ملمّ بالمشهد التّأريخي للموسيقى التي يدرسها.
في الختام، إذ نقرّ بأنّ توصّلنا لهذه الإستنتاجات لا يُعتبر من الناحية الموضوعية حقائق ثابتة أو نهائيّة، فإنّنا نرى في نهاية هذا التقديم أنّنا حاولنا فقط إرساء مشهد عامّ للمقاربات التّأريخية للموسيقى العربية والتونسية، ولـم نتوصّل مثلا إلى ضبط الأسباب الحقيقية التي كانت الدّاعـي الرئيسي للتحوّلات الفكرية العربية في مستوى التّأريخ للموسيقى العربية، أهي حقّا إعتبارات سياسية؟ أم هي إعتبارات مرتبطة بالشأن الإجتماعي وما شهده من تحوّلات أثّرت على الثقافة العربية؟ أو هي مشاكل إعترت العقيدة الإسلاميّة في نظرتها للممارسة الموسيقية في فترات متلاحقة، تفشّت خاصّة في فترات الضعف السياسي حيث وجد الفقه بابا شاسعا لتوجيه الفكر الإسلامي؟ أم هو تقصير العلماء والموسيقيين في كتابة التاريخ وتدوين الموسيقى العربية ورميهم بهذه المسؤولية إلى الأدباء والشعراء وأصحاب الرحلات، الذين مهما بلغت نسبة معرفتهم بعلم الموسيقى، فلن يقدّروا فيه الكثير من الجزئيّات التي ربّما تكون مسائل أساسيّة في تدوين التّاريخ؟ أو أنّه يجب علينا الإقتناع والإكتفاء بمقولة ابن خلدون بأن لا نذهل عن تبدّل الأحوال في الأمم والأجيال لأنّ ذلك من باب الخطإ من وجهة نظر قاعدة العمران البشري، فنضحّي بالتالي بمفهوم الهويّة والثقافات المحلّيّة لصالح فكرة التنوّع والتثاقف؟ نحن ندافع في هذه المداخلة عن كلّ سعي للتنقيب في تاريخ الموسيقى العربية مهما كانت نتائجه يقينيّة أو نسبيّة، موضوعيّة أو غير موضوعيّة، تتطابق مع الواقع أو مع "ما يجب أن يكون". فتاريخنا عموما كُتب بأقلام عديدة وذات توجّهات مختلفة يجب الإلمام بها ووضعها في إطارها لأنّ ما يراه أحد الباحثين تخلفا في مجال معيّن بمنطقة جغرافيّة معيّنة، يعُدّه باحث آخر في تأريخه مادّة متطوّرة ودالّة على النّضج، وبالتالي فإنّ اختلاف القراءات للتاريخ سيولّد ضرورة تصادمات حضاريّة وثقافية بين الشعوب يذهب ضحيّتها الإنسان الذي سيضلّ في صراع دائم مع بني جنسه لجهله للآخر، وما يحمله عنه من معطيات جاهزة معتّمة للحقيقة. بناء على ذلك يجب دراسة تاريخ الموسيقى العربية كما يراه كلّ باحث إرتبط تاريخ حضارته بحضارتنا كالأوروبي والآسيوي والإفريقي حتّى نتمكّن من إعادة كتابته من منظور عربي إسلامي مُنقّى من التشويه والزّيف. وذلك هو المطمح الرئيسي لهذا العمل، لذلك يجب حسن تقدير جهود الإستشراق حتّى لا تتسرّب عدوى التاريخانية إلى الفكر العربي الإسلامي الذي يجب أن تكون مناهج القراءات التّاريخية فيه تسير جنبا إلى جنب مع المعطى الإيماني الديني الذي تنبني عليه ركائز فكره وفلسفته وعلومه.