الفصل والوصل بين التراث والحداثة في الإنتاج الموسيقي التونسي المعاصر

من موسوعة الموسيقى

اذهب إلى: إبحار, بحث

(بقلم د. سمير بشة)

إنّ قراءتنا لموضوع التّراث والحداثة من حيث المقاربة الموسيقيّة، وفي الإنتاج الموسيقي التّونسي المعاصر بالذّات، يقتضي منّا التّعامل مع هاتين المفردتين باحترازات واحتياطات لازمة. فالانعتاق إلى قيم الحداثة في سياق الفكر الغربي الليبرالي الذي ظهر في أواخر القرن التّاسع عشر في المجتمعات الغربية، وإسقاطها على عناصر ومكوّنات الموسيقى التّونسية، قد يفضي إلى نتائج عكسية وشديدة التّناقض. لذلك سنعتبر أنّ الحداثة من حيث الطّرح الموسيقي الّذي سنتناوله في دراستنا هذه، هي النّتائج والتّغيرات الفكرية والإبداعية التي حصلت في الموسيقى التّونسية المعاصرة من خلال العلاقة التي تربطنا مع خصوصيّات ومكوّنات الموسيقى الغربيّة، تلك العلاقة التي أخذت اتّجاه المثاقفة (L’Interculturalité) الإيجابيّة والمنتجة والمفكّرة والمبدعة.

فقبل أن نخوض في هذه المسائل الدّقيقة، علينا أن نسجّل بأنّ آخر اتصال لنا بالثّقافة الغربيّة كان في النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر، إذ حمل هذا الإتصال معه حضارة جديدة وأنماطا ثقافيّة، أدبيّة وفكريّة وفنيّة وموسيقيّة لا عهد لنا بها. فزعزع كلّ ذلك أفكارنا وقناعتنا وأحدث فينا صدمة ثقافيّة جعلتنا في علاقة ثنائيّة مع الآخر اتّسمت أحيانا بالتثاقف (Acculturation) وأحيانا أخرى بضدّ التثاقف (Contre Acculturation). فأصبح كلّ ما أتى من الغرب، يمثل ضرورة حياتيّة نقبلها أحيانا، ونرفضها ونتصارع معها أحيانا أخرى. لكن في نهاية الأمر، المفارقة قد حصلت وعملت عملها وأصبحنا نعيش اجتماعيا وثقافيّا تحت تأثير خارجي، ونفكّر وفق مفاهيم وأساليب مستقاة من واقع غير واقعنا وثقافة غير ثقافتنا وبهويّة غير هويتنا.

لكن، ما هي الحداثة في نهاية الأمر؟

"فالأكيد أنّ الاهتمام بالحداثة من أجل الحداثة لا معنى له"، كما أن الاهتمام بالتّراث من أجل التّراث، لا معنى له أيضا، لأنّ الحداثة في حقيقة الأمر، هي رسالة وطريقة ومنهج ذهني، القصد منه، تغيير المعايير العقلية والوجدانيّة. وهي لا تعني رفض التّراث، ولا القطيعة معه بقدر ما تعني الارتقاء بطريقة التعامل مع هذا التّراث إلى مستوى معيّن تقرّره الرّغبات والحاجيات الحياتيّة.

يقول بيار بولاز(Pierre Boulez) إنه إلى جانب "الاهتمام بالموروث الموسيقي، لا مانع من أن نجد بعض الحركات والاتجاهات المغايرة المتسمة بالانفلات والابتعاد أو القطيعة ..." . فاتخاذ الموسيقى بمحاكاة الألحان الموروثة كما هي وإعادة صياغتها بأيّ شكل من الأشكال بدعوى التّهذيب، يهمّش الأصل ويقضي على المتصّل به.

بيد أنّ في معرفتنا للحداثة لاحظنا وقوع ارتطام مع النّظام التّقليدي. فهي (أي الحداثة) تريد بمفاهيمها المخطّطة والعفويّة أن تغيّر الصّورة التّقليديّة والنّظرة القديمة للتّراث، وتحرّر الجميع من ثقله وتقليده، ومن صور العالم القديم وثقل ماضيه أيضا. لذلك وجدنا أنفسنا أمام ثلاثة احتمالات؛ فإما أن:

  • نقبل هذه الحداثة بكل مفاهيمها الغربيّة المؤدلجة، من خلال إسقاط إنتاج موسيقي معيّن وفرض نوعيّة ونمط ما.
  • نرفض هذه الحداثة رفضا كليّا.
  • نقبلها جزئيا عبر استعمال بعض أساليبها وتقنياتها التي تتلاءم وحضارتنا وتاريخنا وعقيدتنا.

ومن هنا أتت فكرة الوصل والفصل بين التّراث والحداثة. فالإنسان بطبعه ميّال للمعرفة وحبّ الاطّلاع الأمر الذي يدفعه دوما للبحث عن الجديد شريطة أن يكون هو بحاجة لذلك الجديد. وعليه، فإننا نجد مظاهر الحداثة تنتقل من بلد إلى آخر، بفعل الحاجة والتّواصل وتوفّر سبل النّقل وحبّ المعرفة. ويتمّ ذلك بناء على مقتضيات تفرضها ظروف البيئة التي انتقلت إليها تلك الحداثة. فقد تكون تلك الظّروف مهيّأة لاستقبال ذلك الجديد والتّفاعل معه بشكل يعطي مردودا إيجابيا، وقد تكون غير مهيّأة فتحدث ردّة فعل تؤدّي إلى ركود وقتي قد تطول مدّته أو تقصر حسب سرعة استيعاب ذلك الجديد، لأن "التّحول من القديم إلى الجديد لا يأتي بشكل مفاجئ يربك الجميع، وإنّما يأتي بشكل تدريجي، حتّى يعطي الفرصة الكافية لاستيعاب ذلك الجديد".

موسيقيّا، وعندما يختار المرء الخوض في هذا الموضوع، يجد نفسه محكوما بضرورة الاهتمام بالثّوابت والقواسم والسّمات المشتركة أو ما يعبر عنه بالعوائق الإبستيمولوجية (Obstacles épistémologique) التي تحيده عن ممارسة فكرة التّجاوز من حيث المنطلق والتّمشي. إذ يكون الإنسان في كثير من الحالات "في معركة مع نفسه، وتناقض مع ذاته حول ما يريد إنتاجه وما يمنعه من ذلك الإنتاج، وهي حالة تجعل قواه الدّاخلية في صدام مع العالم الذي يعيش فيه" . كما أن الفصل بين التّراث والواقع الذي نعيش فيه، يجرنا في كثير من الأحيان، إلى الحديث عن الحداثة وما بعدها. هذا، ويجب أن نتذكر أيضا" أنّ القطيعة التي مارستها الحداثة طيلة قرن كامل أو يزيد في الغرب كانت قطيعة التّراث" ، وهي عمليّة تحدي وانحراف عن الكيان التاريخي كما أنها مرحلة تتسم بالثورية على التراث.

تاريخيّا، الملامح التي تشير إلى تواجد الأعمال الموسيقيّة والمسرحيّة الغنائية الغربيّة في تونس، في أواخر القرن التّاسع عشر، هي كثرة الفضاءات والمسارح التي شٌيّدت، " فأوّل مسرح غربي كان المسرح القرطاجني بنهج زرقون، وهو أوّل فضاء مسرحي ذو عمارة إيطالية وموقعه الذي يلامس المدينة العتيقة... وإنّ اختيار الموقع، لم يكن بغاية جلب الجمهور التّونسي والسّكان الأصليّين، وإنما كان لوجود تجمّع سكّاني أوروبّي ويهودي يقع في طرف المدينة" . فإلى جانب هذا المسرح، وجدت في تونس عدّة فضاءات أخرى، كمسرح التياترينو (Teatrino) في شارع فرنسا، والكافو (Le caveau) الذي قُدّمت به الكثير من الأعمال الموسيقية والغنائيّة الرّكحية. أمّا آثار تلك العروض، فهي قليلة جدّا وتكاد أن تكون مفقودة، واختصرت في قليل من المعلّقات والدّعوات التي عثرنا عليها في بعض الكتب التي اعتنت بأرشيف المسرح التّونسي. إلا أنّ الموسيقيّين الذين عاشوا تلك الفترة في بداية القرن العشرين، كان تكوينهم تقليديا ولم يستفيدوا من تواجد الأوروبيّين في تونس، ولم تحصل الاستفادة إلّا من قبل بعض الموسيقيّين الذين تلقّوا تكوينا أكاديميا غربيّا عن طريق البعثات الأجنبية، وفي مرحلة متقدمّة.

لا شكّ أنّ في الإنتاج الموسيقي، ينجز العمل من قبل موسيقيين محافظين أو مجددين؛ فالشِّقّ الأوّل ينادي بالماضي والتّراث، والشِّقّ الثّاني بالحداثة والمعاصرة. وهذا الاختلاف والتّصادم أو الصّراع بين هذين المنهجين هو صراع غير متكافئ، بحيث أنّ اعتماد الموسيقى التّقليديّة بمفهوم النّقل والتّكرار، يخرج صاحبه من عربة التّجديد والابتكار. ومن جهة أخرى فإنّ الاتصال بالموروث، المتّسم بالمحاكاة، يعدّ ضربا من ضروب إعادة الذّات في حيز زمني متأخّر يجعلنا بعيدين عن ما يؤثره الواقع في الزّمن الذي نعيشه. بينما نجد في المنهج الموسيقي الحديث، تبني فكرة تجاوز التّراث الموسيقي، بآليات عقليّة ومنهجيّة، ونظرة جديدة وتقنية متطوّرة على المستوى التّلحيني والتّنفيذي على حدّ السّواء.

إنّ الفصل بين التّراث والحداثة في التّأليف الموسيقي، يمثّل عمليّة انسلاخ متّسمة بالتّجرد من الألحان التي أسّسها السّابقون. فيحاول الموسيقي في هذه الحالة أن يمرّر تلاحين ذات تركيبات وأشكال وأنماط لا تمت بأي صلة إلى الموروث الموسيقي التّقليدي، فتكون طريقة التّنفيذ، خاضعة لأساليب غربية بنسبة كبيرة جدا تذهب بنا في بعض الأحيان إلى مرحلة التّغريب والتّمثل الموسيقي. هكذا، يكون الموسيقي في هذه الحالة قد تعامل مع ثقافة غير ثقافته وفنّ غير فنّه وتاريخ غير تاريخه، بإرادة التّعامل معه بهويّة غير هويّته في نفس الحيز الزمني الذي يعيش فيه، وهو على ما يبدو شيء لا يتلاءم ولا يتناسب. ولكن رغم ذلك، فإنّ نتيجته قد تكون لها صفة ودلالة فنية جديدة بقطع النّظر عن أصلها أو مرجعيّتها، مع اتّصافها كذلك بالفَردية (Individualité) والتَفرد (particularité).

أما الوصل، فهو خلاف الفصل، وهو يعني عند المتصوفة، إدراك الفائت. وإذا تأملنا جيدا وبحثنا في دلالاتها والعمق الذي تحتويه من معان ومفاهيم جوهرية، وجدنا أنّها تتجاوز المعنى الظّاهري لها. لذلك، فالكلمة مرتبطة بلفظتين اثنين وهما الأصل والأصالة. فلا يمكن تحديد الوصل، دون تعريف كلمة الأصل (Origine) والأصالة (Originalité) اللّذان نجدهما في اتصال من حيث التركيبة اللفظية والمعنى.

فالأصل والأصالة نسبية وليست مطلقة، فالأعمال الموسيقية التي تبتكر، هي ليست جديدة كل الجدّة، بل ينحصر ابتكارها في التّأليف بين أفكار قديمة أو إحداث تعديلات أو تحويرات فيما وصله من تراث موسيقي سابق أو فيما أخذه من مكونات اجتماعيّة محيطة به ومؤثرة فيه. لذلك ففي تحديدنا للوصل والفصل بالموروث في التّجارب الموسيّقية من خلال بعض الأعمال الموسيقيّة التونسيّة المعاصرة، كالتي قام بها على سبيل المثال محمد سعادة ومحمد القرفي وأنور براهم ومحمد زين العابدين ومراد الصقلي... يعتبر طرحا أساسيا وضروريّا لا يمكن التّغافل عنه لأننا نجد في المعنى اللّفظي دلالة على الحركة المتواصلة الضّمنيّة في عمليّة إنتاج العمل. فإذا قلنا حركة، فيراد بها هنا التّغير والاختلاف، وعندما نقول الاختلاف نعني بذلك الإبداع، وبالإبداع نصل إلى الحداثة بمختلف معانيها ومفاهيمها.

غير أن العمل الموسيقي المجسم في تصور(فكرة)، وفي شكل (تخت، مطرب، مطربة...)، وفي تقنية (طريقة تنفيذ وتعبير)، لن يضيف شيئا للموسيقى إن لم يتحرك كل عنصر من هذه العناصر الثلاث. ونعني بالتحرك، التغيير (الانفصال-الاتصال-التحرر-التجاوز-الابتعاد- المصاهرة- المقابلة...) بمقادير متفاوتة، مع قدرة على التّكيّف مع ما أنتجه السّابقون. لأنّ العمل الموسيقي أساسا يخلق من منظومته وتراثه، ويخترق هذا التّراث لتأسيس تراث جديد، لكي ينخرط في منظومة جديدة مفتوحة قد تمتدّ عقودا إن لم نقل قرونا.

فكل هذه التّصوّرات والأفكار الموسيّقيّة، ودلالاتها، توضح أنّ كلّها مشتركة في كونها تحمل تغيّرا نوعيا نمطيّا وحسّيّا وجماليّا، رغم انفصالها أو اتّصالها بالموروث وتتمثل وتتموضع في منظومة التّناقض والاختلاف فيما بينها وبين ما هو متداول. وهذا أساسي حسب رأينا في عمليّة النّهوض بالعمل الموسيقي وإخراجه من موقع الثّبات والسّكون وربطه بالمجالات الفنّيّة الأخرى، مع وعينا بطبيعة الحال، بأن نصل إلى أقصى فهم إلى الآخر (المتفرج).

فمن بين الموسيقيّين التّونسيّين الذين لاحظنا في أعمالهم التّأثر بالنّمط الغربي في كيفيّة التّلحين والتّوزيع الموسيقي، هو محمد سعادة الذي يُعدّ من الأوائل الذين تطرّقوا إلى التّأليف الموسيقى بالأسلوب الحديث المتأثّر بأعمال الأوبرا المعتمد على التّوزيع الأركسترالي. ومن أهمّ أعماله التي حقّق بها نقلة نوعيّة في هذا المجال نذكر:

موسيقى إفتتاحيّة نشيد البحر الأبيض المتوسّط (محمّد سعادة) - كتابة موسيقيّة بوليفونيّة
موسيقى إفتتاحيّة نشيد البحر الأبيض المتوسّط (محمّد سعادة) - كتابة موسيقيّة بوليفونيّة
  • "ملحمة النصر" سنة 1965.
  • " نشيد البحر الأبيض المتوسّط" سنة 1967.
  • " أحلام قرطاج" سنة 1973.
  • مسرحية "أنتيڤون" (Antigone)، سنة 1975.
  • مسرحية "تاجر البندقيّة"، سنة 1975.



وقد تواصلت هذه التجارب الغنائية الركحية بأشكال مختلفة مع محمد الڤرفي، الذي أنجز سلسلة من الأعمال، نذكر منها:

‏ترقيم موسيقي من أوبرات صابر في مدينة السّلطان (محمّد الڤرفي - 1983) - كتابة موسيقية هارمونية (Musique harmonique)
‏ترقيم موسيقي من أوبرات صابر في مدينة السّلطان (محمّد الڤرفي - 1983) - كتابة موسيقية هارمونية (Musique harmonique)

صورة:من_أعمال_محمّد_الڤرفي.jpg

فهذه الأعمال التي قدمها محمد الڤرفي في السبعينات كانت مُفَاجِئة للجميع، حيث وظف فيها كل إمكانيات وتقنيات الموسيقى الغربية من حيث التآلف الصوتي، إيمانا منه بضرورة تغيير النمط الموسيقي المتعارف عليه، فجاءت دسمة ومفخمة موسيقيا لدرجة التشعب. لذلك لم تجد استحسان السامعين واتصفت في تلك الفترة بالموسيقى الكنائسية من قبل بعض الصحافيين والنقاد الغير المتخصصين في هذا الميدان. واستنادا على أقوال محمد الڤرفي وبعض العازفين المنتمين إلى مجموعته، فإن استقطاب الجماهير لهذه العروض في تلك الفترة لم يتجاوز العشرات، والسبب في ذلك، يرجع كون أن تلك الأعمال لم تهيئ الجمهور لاستعاب نوعية موسيقية مختلفة عن السائدة. لكن نتيجة للعمل المتواصل الذي قام به محمد الڤرفي طيلة 40 سنة (من 1965 إلى 2005)، تعود الجمهور التونسي على هذه النوعية من الموسيقى وأصبح يواكب العروض بشكل مكثف.

هذا، وفي مجال التأليف وقيمة إدماج الآلة الثابتة في الموسيقى العربية يقول محمد الڤرفي أنه " عند توفر الآلات الموسيقية الثابتة، يمكن للموسيقيين العرب أن يبحثوا إمكانيات إيجاد بوليفونية خاصة بالمقامات العربية، وتعتمد أساسا أرباع المسافات. ولابد هنا من الاستعانة بما حققه الغرب في هذا الميدان. وقد يعارضني الموسيقيون العرب بحجة أن الموسيقى العربية غنية بمقاماتها وإيقاعاتها ولا تحتاج إلى هذه الآلات الثابتة ويضيف أيضا أن الكتابة البوليفونية في الموسيقى العربية بإمكانها أن:

  • تخرجها من رتابة اللحن الواحد.
  • تفرض تغيير القوالب التلحينية والصيغ المتداولة.
  • تضيف إلى الموسيقى العربية بعدا ثالثا إلى جانب اللحن والإيقاع.
  • تحتم إعادة النظر في الآلات الموسيقية العربية، واستعمالها بما يناسب مقتضيات الخلق الفني.
  • يساعد على سرعة إتقان الغناء المنفرد. إذ أن رنين نغمتين أو أكثر يثير التيقظ لتنمية الغناء المتقن.
  • يعمل على تنمية القدرة العقلية والذهنية بإثارة التفكير عند غناء الأصوات المتعددة ".

ولسائل أن يسأل هنا، هل أن الكتابة البوليفونية لا تتضمن الرتابة في اللحن؟ وهل أن الموسيقى العربية لا تحمل بعدا ثالثا؟ وما هو المقصود كذلك بإعادة النظر في الآلات الموسيقية العربية؟ فهل نحن مطالبون بأن نستغني عن آلاتنا الموسيقية العربية من أجل تنفيذ عمل موسيقي تأسس على قواعد ومناهج غربية؟ ألا يكون أنه من الأهم النظر في إمكانية الارتقاء بموسيقانا من الداخل، مع الاستعانة بما أنجزه الغرب في هذا الشأن، وبما يتناسب وخصوصياتنا الموسيقية والثقافية بالأساس.

هذا ونجد بعض الأعمال الموسيقية التي تندرج تحت إطار المثاقفة في الممارسة الموسيقية والتي تناولها عازف العود أنور براهم والذي يعبر عنها من خلال قوله " أن التعرف على أنماط موسيقية مختلفة وغير تونسية، أفادتني لأنه سمح لي بإثراء تجربتي، فلماذا أمتنع عن هذا التأثر وأنغلق على نفسي؟ هل يمكن للمثقف أو الموسيقي ألا يطلع على الموسيقى العالمية بدعوى الخوف على هويته ؟ إن الاطلاع على الموسيقى العالمية يكسر الحواجز ويسهل العبور. وكل هذا سيكون إيجابيا على الموسيقى التونسية، لأن الانغلاق هو التلاشي. فلماذا نتحدث عن التأثيرات للظفر بالمقاربة ..." . هذا، ويضيف " أنه لا يفكر أبدا في مفهوم المثاقفة في الممارسة الموسيقية بل يعيش تجربته كملحن، ويسمح لنفسه في بعض الأحيان بأن يعزف مع أشخاص له رغبة في التعامل معهم، كما يسمح لنفسه أيضا بأن يتجه في أي اتجاه يريده" .

وبحكم قربنا من أعمال وموسيقى أنور براهم ، تمكنا من أن نلاحظ أنه بالرغم من تكوينه في الموسيقى العربية، وتشبعه بالمقامات الشرقية خاصة، والإيقاعات العربية، عن طريق عازف العود علي السريتي ، فإن ذلك لم يمنعه من البحث عن أنماط موسيقية تقرب إلى الموسيقى العربية، ولكن تختلف عنها في الأسلوب والتنفيذ. وبذلك فقد ابتعد عن محاكاة الشيء الموجود. وهذا راجع في نظرنا لاحتكاكه برجال المسرح، والرسامين التونسيين المستحدثين الذين لهم نظرة تتسم بالإبداع والخلق وفكرة تجاوز الواقع لبناء ثقافة جديدة.

في حين، جاءت أعمال محمد زين العابدين، مفتوحة كثيرا على جل موسيقات العالم، وتحمل ألحانا ذات أبعاد رمزية ودلالات "ميتاموسيقية" (méta musique)، تقول فيها رشيدة التريكي كونها "توحي بالامتداد الروحي الذي يرتقي إلى الكونية والسلام والحب...وهي تقرب الشعوب من خلال وعيها بالمقدس في الإنسان وتبرز الخشوع الذاتي والوجداني" . فكما نلاحظ، فقد تم الاعتماد في هذا التحليل الجمالي على أسلوب التأويل، وهو منحى أساسي، لأنه وفي كثير من الأحيان، هو الذي يعطي العمل المادي مظهره الفني. فإذا كانت الأعمال الموسيقية أنشطة إنسانية لها أهدافها من الناحية التعبيرية والجمالية، كانت عملية التحليل الموسيقي في المجال الذي نحن فيه، كمجموعة آراء وأفكار حول هذه الأعمال، وهي عبارة عن مقاربات فكرية متحولة قابلة للنقد والتأويل، هذا التأويل الذي ينتمي إلى مجالات عديدة أصبح من الصعب تحديدها وحصرها؛ فمن النقد الموسيقي إلى تاريخ الموسيقى إلى الجمالية الموسيقية، إلى السيميولوجيا الموسيقية. فلكل كتابة موسيقية تقابلها كتابة لغوية تعطي للعمل الموسيقي قيمته الفنية. فمن خلال الأعمال الموسيقية التي قدمها محمد زين العابدين، لا يمكن الفصل بين الموسيقى واللغة والفكر باعتبار أن الموسيقى هي لغة وبناء فكري، وبالتالي فهي تدخل ضمن علم الدلالات أو السيميولوجيا، أي تنتمي إلى عالم المنظومات الرمزية والتعبيرية واللغوية. تلك العلوم التي تم التقدم فيها أشواطا في الكثير من الفنون الأخرى كالمسرح والسينما والفن التشكيلي خاصة. وبالرغم من كل هذا فإن قراءتنا لأعمال محمد زين العابدين بعد سماعنا لها، تجعلنا نغوص في هذا الشكل من التأويل. إلا أننا نرى، أنه بالرغم من أن الموسيقى تعبر عن أشياء أخرى غير الموسيقى، وتذهب بنا في بعض الأحيان إلى تجريد المجرد، إلا أن المتصوَّر والمُتخيَّل يبقى دائما خاصا وذاتيا.

ومن الأعمال التي أنجزها محمد زين العابدين، نذكر:

العمل مكان العرض السنة لقاء منتمارت مسرح (Arènes) باريس 1993 سراب أندلسي افتتاح مهرجان مدينة تونس 1994 لقاء في اشبيليا صفاقس 1995 المقام في البحر الأبيض المتوسط الحمامات 1996 قرطاج21 / 1997 تجليات ٍفضاء كان 1998 من أحسن موسيقى العالم ألمانيا(Leipzig) 1999 ديوان السماع فضاء كان 1999 شاعر المحبة فضاء كان 1999 أحلام حضرموت مسرح سوسة 2000 ديوان العشق افتتاح مهرجان الربيع سوسة 2001 " ميتاموسيقى" (méta musique) افتتاح مهرجان الجاز بتونس 2001 حنبعل السباق افتتاح مهرجان ((Word music بطبرقة 2001

الجملة الموسيقيّة الرّئيسيّة لمؤلّفة "وجد" من عمل "تجلّيات"
الجملة الموسيقيّة الرّئيسيّة لمؤلّفة "وجد" من عمل "تجلّيات"

غير أن العروض التي قدمها مراد الصقلي، اتخذت منعرجا منهجيا آخر؛ فجلها متصلة بالموروث الموسيقي وملحنة في الطبوع والإيقاعات التونسية. إذ، يعتبر صاحب العمل " أن الموسيقى التونسية ثرية جدا في مقاماتها وإيقاعاتها على عكس ما يظنه البعض في كونها منغلقة على نفسها ومنحصرة في بعض الجمل الموسيقية المتداولة. ويضيف أيضا أنه " أراد أن يظهر من خلال هذه العروض عكس ما يتصوره الجميع". ويقول أيضا أن " التفتح يتم حين نكون قادرين على الإضافة والتجديد في موسيقانا دون أن نخرجها عن إطارها ومحليتها، فإذا سمع أي كان، تونسيا أو أجنبيا مقطعا منها، يدرك مباشرة أن هذا العمل تونسي" . لكن، إذا كانت هذه الأعمال تعبر عن هوية وثقافة موسيقية ثابتة، فإنه لا مانع من وجود أعمال موسيقية أخرى شديدة الاختلاف عنها ومتجهة في اتجاهات فنية شديدة التباين. فنحن في أشد الحاجة إلى هذا التنوع الموسيقي، التنوع الذي يؤسس إبداعا ويفرز تراثا جديدا لجيل آت. فالهوية تأتي من الداخل ولا تقصد، وأن التمشي الشكلي في العمل الموسيقي يفني آثار الإبداع. لذا، نرى أننا إذا تحدثنا عن الهوية قبل الشروع في العمل الموسيقي، نكون قد حددناه وأعطيناه شكله النهائي. هذا، وقد أنجز مراد الصقلي سلسلة من الأعمال الموسيقية، من بينها:

العمل - القالب - السنة من موسيقى العالم العربي - آلي - 1990 خانات تونسية - آلي - 1992 حكاية الصحراء - آلي - 1994 عطور تونسية - آلي - 1998 حكاية طويلة - غنائي - 1999 ألوان من تونس - آلي - 2000 غموق الورد - غنائي - 2003


ترقيم موسيقي من عرض حكاية طويلة لـ"مراد الصقلي" - كتابة موسيقية تونسية إيتيروفونية (hétérophonique)
ترقيم موسيقي من عرض حكاية طويلة لـ"مراد الصقلي" - كتابة موسيقية تونسية إيتيروفونية (hétérophonique)

- -

لكننا نؤكد دائما أن الرؤية الموسيقية مهما كانت مستحدثة ومبنية على الاختراق والتجاوز، فإن الممارسة الموسيقية من حيث الأسلوب وطريقة الأداء والتعبير عن الأحاسيس الإنسانية، لا يمكن أن نضعها في موضع يتصف بالقطيعة الكلية. فكل الأعمال التي تعرضنا إليها تحمل تغيرا نمطيا وحسيا وجماليا رغم اتصالها أو انفصالها النسبي عن التراث وهي تندرج في إطار التناقض والاختلاف وبالتالي التنوع. هذا، وأن تحديدنا لمفهوم الوصل والفصل بين التراث والحداثة في التجارب الموسيقية المعاصرة في تونس من خلال هذه الدراسة، ما هو إلا طرح أساسي لا يمكن التغافل عنه، ويستحققراءة جمالية إنشائية ترتكز على أسلوب التأويل، ذلك الأسلوب الذي نتجاوز به كل القراءات الشكلية للموسيقى، ونهتم بأبعادها الدلالية والتعبيرية.

أدوات شخصية